محمد بن وليد الطرطوشي

305

سراج الملوك

فصل : في قوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ « * » في الكلام على الزيادة قال الله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] فقال قوم : إنّما خاطب الله تعالى بهذا ، وبقوله : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] : قوما دون قوم ، والدليل عليه أنّا نرى من يشكر على الغنى ثم يبتلى بالفقر ، ومن يشكر على العافية ثم يبتلى بالمرض ، والله تعالى لا يخلف وعده . وقال قوم : معناه لأزيدنكم نعمة الآخرة ، فإن قيل : إنما تكون الزيادة من جنس المزيد عليه ، فأجابوا : إنّ النّعم الدنيوية والأخروية وإن تفاضلت واختلفت فكلها متجانسة من حيث أنّها نعمة . وقال قوم : معناه لأزيدنكم خيرا ، والخير والصلاح قد يكون في كثير من الأوقات بالمنع والسقم ونحوهما ، فإنّ من سأل الله تعالى أن يعطيه مالا ، أو يصحّ جسمه ، وهو يعلم : انّه إن وهبه المال أنفقه في المعاصي ، أو وهبه الصحة صرف صحته إلى المشي في الآثام ، فالمنع هاهنا موهبة من الله تعالى جزيلة ، وعن هذا قال العلماء : ( منع اللّه تعالى عطاء ) . وقال قوم : يمكن تقدير الاستثناء فيها : أي : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ إلّا ان تعصوا فأعاقبكم بالحرمان ، أفعل ذلك كفّارة لكم . . وهو أصلح من أن أعاقبكم في الآخرة ، والناس لا يسلمون من الذنوب ، ولو تهيّأ أن يسلموا من الذنوب لدرّت الزيادات ، قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] وقال : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [ نوح : 10 - 12 ] . وقال قوم : الآية خاصّة لا محالة ، إذ لو كانت على عمومها ، لوجب أن لا يموت من شكر اللّه تعالى على الحياة . قلت : إن اللّه تعالى وعد الزيادة ، وقوله الحقّ ، وقد جعل الله العبادة علامة ، يعرف بها الشاكر ، فمن لم يظهر عليه المزيد ، علمنا أنّه لم يشكر ، فإذا رأينا الغنى يشكر الله تعالى بلسانه ، وماله في نقصان ، علمنا أنه قد أخلّ بالشكر الذي أخذ عليه ، إمّا أن لا يزكّيه ، أو يزكّيه لغير أهله ، أو يؤخّره عن وقته ، أو يمنع حقا واجبا عليه ، من كسوة عريان ، أو إطعام جائع وشبهه ،

--> * من إضافات المحقق .